وظيفة أولى مؤجلة.. خريجون عالقون في فخ نقص الخبرة

2026.10.13 - 22:45
Facebook Share
طباعة

 لم يكن الحصول على شهادة الماجستير نهاية الطريق بالنسبة إلى إيلين، البالغة 32 عاماً، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً مما توقعت. فبعد إنهاء دراستها في العلوم السياسية بجامعة لوزان السويسرية في أيلول 2024، بدأت البحث عن وظيفة تتيح لها توظيف ما تعلمته والانطلاق في مسار مهني واضح، لكنها لم تتمكن حتى الآن من العثور على الفرصة التي تطمح إليها، رغم تجارب عمل متعددة راكمتها بالتوازي مع دراستها.

عملت إيلين في المطاعم ورعاية الأطفال والأرشفة، واضطرت أحياناً إلى الجمع بين خمس أو ست وظائف مؤقتة. ومع ذلك، لم تكن هذه التجارب كافية لإقناع بعض أصحاب العمل، الذين رأوا أن سيرتها الذاتية تفتقر إلى الاتساق، وأن اتجاهها المهني لا يبدو واضحاً.

وتعرض صحيفة «لو تان» السويسرية تجربتها ضمن تقرير عن خريجين يواجهون صعوبات في الانتقال من الجامعات إلى سوق العمل. وتكشف قصتها عن مفارقة تتجاوز حالتها الفردية: فبينما يشترط أصحاب العمل خبرة عملية جاهزة، لا يجد بعض الخريجين فرصة لاكتسابها، حتى بعد سنوات من الدراسة والعمل المؤقت.

أرقام تكشف اتساع الفجوة

تعكس المؤشرات الرسمية في سويسرا اتساع الصعوبات التي يواجهها خريجو الجامعات في بداية حياتهم المهنية. فبحسب المكتب الفدرالي للإحصاء، ارتفع معدل البطالة، وفق تعريف منظمة العمل الدولية، بين الحاصلين على الماجستير من الجامعات السويسرية بعد عام من التخرج، من 3.9% في عام 2023 إلى 6.4% في عام 2025.

ولم تقتصر المشكلة على العثور على أي وظيفة، بل شملت الحصول على عمل يتناسب مع المؤهلات والتطلعات المهنية. فقد ارتفعت نسبة الحاصلين على الماجستير الجامعي الذين واجهوا صعوبات في العثور على وظيفة ملائمة من 30% بين خريجي دفعة 2022 إلى 44.1% بين خريجي دفعة 2024.

وبين خريجي عام 2024 الذين واجهوا صعوبات في البحث عن عمل، أشار نحو ثلثي الحاصلين على الماجستير الجامعي إلى نقص الخبرة المهنية بوصفه أحد العوائق الرئيسية أمام توظيفهم.

وتبدو التحديات أكثر وضوحاً في العلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث ارتفع معدل البطالة بين الحاصلين على الماجستير من 5.1% لدى دفعة 2022 إلى 8.5% لدى دفعة 2024.

ولا تعني هذه الأرقام أن الشهادات الجامعية فقدت قيمتها، لكنها تشير إلى اتساع المسافة بين ما يوفره التعليم الأكاديمي وما تتطلبه الوظائف المتاحة. فالحصول على مؤهل علمي لم يعد كافياً، في بعض الحالات، لتجاوز مرحلة الانتقال إلى العمل، خصوصاً عندما يفتقر الخريج إلى تجارب مهنية مرتبطة مباشرة بالتخصص الذي درسه.

حلقة مغلقة بين الخبرة والتوظيف

يفسر شتيفان فولتر، مدير مركز أبحاث اقتصاد التعليم في جامعة برن، تفضيل أصحاب العمل للمرشحين الذين يمتلكون خبرة سابقة باعتباره خياراً مفهوماً من منظور المؤسسات. فتوظيف خريج جديد يتطلب وقتاً وموارد لتدريبه وتعريفه بمتطلبات العمل، بينما يستطيع الموظف المتمرس تولي مهام محددة منذ البداية، مع حاجة أقل إلى الإشراف والتأهيل.

لكن هذه المعادلة تضع الخريجين أمام حلقة يصعب كسرها: لا يحصلون على الوظيفة بسبب افتقارهم إلى الخبرة، ولا يستطيعون اكتساب الخبرة المطلوبة من دون الحصول على فرصة للعمل.

وتزداد حدة المشكلة عندما تكون الوظائف المبتدئة نفسها مشروطة بمهارات وتجارب يُفترض أن يكتسبها الموظف بعد دخوله سوق العمل. عندها، لا يعود التحدي مقتصراً على امتلاك الشهادة أو الكفاءة النظرية، بل يصبح مرتبطاً بقدرة الخريج على إثبات مهارات لم تتح له فرص كافية لاختبارها في بيئة مهنية فعلية.

التدريب متاح.. لكن ليس للجميع

يمثل التدريب العملي إحدى الوسائل التي تساعد الطلاب على اكتساب الخبرة قبل التخرج، إلا أن الاستفادة منه لا تبدو متساوية بين التخصصات أو الظروف الاجتماعية.

ووفق الأرقام التي أوردها التقرير عن جامعة لوزان، خاض 13% من طلاب كلية الآداب تدريباً عملياً، مقابل 8% من طلاب العلوم الاجتماعية، و11% من الملتحقين ببرامج العلوم السياسية والإدارة العامة.

ولا تتوقف العقبات عند عدد الفرص المتاحة، إذ إن بعض التدريبات لا يوفر أجراً، فيما يقدم بعضها الآخر مقابلاً مالياً محدوداً. وهذا قد يجعل المشاركة فيها أكثر صعوبة بالنسبة إلى الطلاب الذين يحتاجون إلى دخل لتغطية نفقاتهم، أو لا يحصلون على دعم مالي من أسرهم.

وبذلك، قد تتأثر فرص اكتساب الخبرة بعوامل تتجاوز المؤهلات الشخصية، لتشمل قدرة الطالب على تحمل تكاليف فترة تدريب لا تضمن له وظيفة لاحقاً. وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن يمتلك خريجان مؤهلات أكاديمية متقاربة، لكن أحدهما يدخل سوق العمل بسجل من التدريبات والعلاقات المهنية، بينما يصل الآخر من دون فرص مماثلة.

وتكشف هذه الفجوة أن الانتقال من الجامعة إلى الوظيفة ليس مساراً يعتمد على الكفاءة الفردية وحدها، بل يتأثر أيضاً بمدى توافر فرص عملية يمكن الوصول إليها فعلياً.

الذكاء الاصطناعي يضغط على وظائف البداية

تضيف أدوات الذكاء الاصطناعي والأتمتة تحدياً محتملاً إلى المشهد، مع توسع استخدامها في أداء بعض المهام التي كانت تُسند إلى الموظفين المبتدئين.

فالمهام البسيطة والمتكررة لا تشكل مجرد أعمال تمهيدية داخل المؤسسات، بل تمنح الموظفين الجدد فرصة للتعرف إلى طبيعة العمل، واكتساب المهارات، والتدرج نحو مسؤوليات أكثر تعقيداً. وإذا تراجعت الحاجة إلى بعض هذه المهام بفعل الأتمتة، فقد تتقلص إحدى المساحات التي كان الخريجون يستخدمونها للدخول إلى المهنة.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يفسر وحده صعوبات التوظيف، ولا يعني بالضرورة اختفاء جميع الوظائف المبتدئة. فالتأثير يتوقف على طبيعة القطاع والمهام المطلوبة وكيفية استخدام المؤسسات لهذه التقنيات. ومع ذلك، فإن أي تراجع في فرص البداية قد يزيد المنافسة على الوظائف المتاحة، خصوصاً بين المتقدمين الذين لا يمتلكون خبرة سابقة.

الرفض المتكرر يضعف الثقة بالمسار المهني

بالنسبة إلى إيلين، لا تقتصر آثار البحث الطويل عن وظيفة على تأخر الاستقرار المادي والمهني. فهي تصف منافسة شديدة، إلى جانب طلبات توظيف لا تتلقى عنها أحياناً أي رد. ومع تكرار الرفض أو غياب الإجابة، يتحول البحث عن فرصة إلى تجربة مرهقة قد تؤثر في الثقة بالنفس وفي القدرة على تحديد الخطوة التالية.

غير أن تأخر الحصول على الوظيفة الأولى لا يعني بالضرورة أن الخريج يفتقر إلى الكفاءة أو أن سنوات دراسته لم تكن مفيدة. فقد يكون السبب مرتبطاً بصعوبة الانتقال من التعليم إلى الممارسة، أو بمتطلبات توظيف لا تتيح مساحة كافية لتدريب أصحاب الخبرة المحدودة، أو بمحدودية الفرص المتاحة في المجال الذي اختاره الخريج.

وتعيد هذه التجارب طرح سؤال أساسي أمام الجامعات وأصحاب العمل: كيف يمكن تقليص الفجوة بين التأهيل الأكاديمي ومتطلبات التوظيف؟ فالتدريب المدفوع، والوظائف المخصصة للمبتدئين، وبرامج التأهيل داخل المؤسسات، يمكن أن تتيح للخريجين فرصة لإثبات قدراتهم بدلاً من مطالبتهم بخبرة لا يستطيعون اكتسابها من دون فرصة أولى.

وتختصر تجربة إيلين مأزقاً يواجه شريحة من خريجي الجامعات: فالشهادة تمنحهم المعرفة، لكنها لا تضمن وحدها دخول سوق العمل. وبين مؤهلات اكتملت ومتطلبات مهنية لا تزال بعيدة المنال، تبقى الخطوة الأصعب هي الحصول على الفرصة التي تسمح بتحويل التعليم إلى خبرة، والخبرة إلى مسار مهني مستقر.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 1